سيد محمد طنطاوي

158

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهكذا القلوب إذا فسدت ، واستولى عليها الحسد والجحود ، ارتكبت كل رذيلة ومنكر بدون تفكر في العواقب ، أو تدبر لما جاءت به الشرائع ، وأمرت به العقول السليمة . وفي هذه الآية ترى أن لفظ الجلالة * ( اللَّه ) * قد تكرر ثلاث مرات ، كذلك لفظ * ( الْكِتابَ ) * تكرر ثلاث مرات ، ولم يكتف بالضمير الذي يدل عليهما ، وذلك لقصد الاهتمام باسم اللَّه - تعالى - وباسم كتابه ، وبالخبر المتعلق بهما ، ولأن من عادة العرب أنهم إذا عظموا شيئا أعادوا ذكره ، وقد جاء ذلك كثيرا في أشعارهم ، ومنه قول الشاعر : لا أرى الموت يسبق الموت شيء نغص الموت ذا الغنى والفقيرا فقصد الشاعر من تكرار لفظ الموت تفخيم شأنه وتهويل أمره . وبذلك نرى أن القرآن الكريم قد توعد الذين يشترون بعهد اللَّه وبأيمانهم ثمنا قليلا بأشد ألوان الوعيد ، وكشف عن لون آخر من ألوان مكر بعض اليهود ، وعن جرأتهم في النطق بالكذب عن تعمد وإصرار ، حتى يحذرهم المسلمون . ثم نزه اللَّه - تعالى - أنبياءه - عليهم الصلاة والسّلام - وعلى رأسهم محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم عن أن يطلبوا من الناس أن يعبدوهم ، عقب تنزيهه - سبحانه - لذاته عما تقوله المفترون فقال - تعالى - : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 79 إلى 80 ] ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَه اللَّه الْكِتابَ والْحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّه ولكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( 79 ) ولا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ( 80 ) قال ابن كثير : « عن ابن عباس قال : قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ودعاهم إلى الإسلام : أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم ؟ فقال رجل نصراني من أهل نجران يقال له الرئيس : أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا ؟ - أو كما قال - فقال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : « معاذ اللَّه أن نعبد غير اللَّه أو أن نأمر بعبادة غير اللَّه ، ما بذلك أمرني ولا بذلك بعثني . - أو كما